ابن أبي الحديد

5

شرح نهج البلاغة

الاخبار الغيبية ، وخروجها عن وسع الطبيعة البشرية . وبين من مقامات العارفين ، التي يرمز إليها في كلامه ما لا يعقله إلا العالمون ، ولا يدركه إلا الروحانيون المقربون . وكشف عن مقاصده عليه السلام في لفظه يرسلها ، ومعضلة ( 1 ) يكنى عنها ، وغامضة يعرض بها ، وخفايا يجمجم بذكرها ، وهنات تجيش في صدره فينفث بها نفثه المصدور ، ومرمضات مؤلمات يشكوها فيستريح بشكواها استراحة المكروب . فخرج هذا الكتاب كتابا كاملا في فنه ، واحدا بين أبناء جنسه ، ممتعا بمحاسنه ، جليلة فوائده ، شريفة مقاصده ، عظيما شانه ، عاليه منزلته ومكانه . ولا عجب ان يتقرب بسيد الكتب إلى سيد الملوك ، وبجامع الفضائل إلى جامع المناقب ، وبواحد العصر إلى أوحد الدهر ، فالأشياء بأمثالها أليق ، وإلى اشكالها أقرب ، وشبه الشئ إليه منجذب ، ونحوه دان ومقترب . ولم يشرح هذا الكتاب قبلي فيما أعلمه الا واحد ، وهو سعيد بن هبة الله بن الحسن الفقيه المعروف بالقطب الراوندي ( 2 ) ، وكان من فقهاء الإمامية ، ولم يكن من رجال هذا الكتاب ، لاقتصاره مدة عمره على الاشتغال بعلم الفقه وحده ، وأنى للفقيه ان يشرح هذه الفنون المتنوعة ، ويخوض في هذه العلوم المتشعبة ، لا جرم ان شرحه لا يخفى حاله عن الذكي ، وجرى الوادي فطم على القرى ( 3 ) . وقد تعرضت في هذا الشرح لمنا قضته

--> ( 1 ) ا : " معضلة " بدون الواو . ( 2 ) هو سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي ، أحد فقهاء الشيعة ، وتصانيفه كثيرة متنوعة ، أسمى كتابه في شرح النهج " منهاج البراعة ، في شرح نهج البلاغة " ، وتوفي سنة 573 . لسان الميزان 3 : 48 ، روضات الجنان 302 ( 3 ) جرى الوادي فطم على القرى ، مثل ، قال الميداني في شرحه : أي جرى الوادي فطم ، أي دفن ، يقال : طم السيل الركية ، أي دفنها . والقرى : مجرى الماء في الروضة ، والجمع أقرية وقريان ، و " على " من صلة المعنى ، أي أتى على القرى ، يعنى أهلكه بأن رفنه ، يضرب عند تجاوز الشئ حده " . مجمع الأمثال 1 : 159